ميّة الرحبي (مواليد روما، إيطاليا، ١٩٥٤) طبيبة وكاتبة وباحثة وناشطة نسوية وسياسية سورية/فرنسية، تُعدّ من الشخصيات البارزة في الحركة النسوية السورية المعاصرة، وعُرفت بإسهاماتها في مجالات حقوق المرأة والمساواة الجندرية ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى مشاركتها في العمل المدني والسياسي السوري منذ سبعينيات القرن العشرين. وهي مؤسِّسة ومديرة منظمة «مساواة / مركز دراسات المرأة».
شاركت في عدد من المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية المتعلقة بقضايا المرأة والسلام والأمن.
النشأة والتعليم
وُلدت ميّة الرحبي في مدينة روما عام ١٩٥٤، حيث كان والدها أحمد الرحبي يعمل في السلك الدبلوماسي السوري. تنقّلت خلال طفولتها بين عدد من البلدان العربية قبل أن تستقر الأسرة في دمشق، وتأثرت بالبيئة الثقافية والسياسية التي نشأت فيها، وبدأ اهتمامها بالشأن العام في مرحلة مبكرة من حياتها الدراسية.
درست الطب البشري في جامعة دمشق وتخرّجت عام ١٩٧٧، ثم تابعت تخصّصها في الطب الباطني في فرنسا وألمانيا. وخلال سنوات الدراسة والتخصّص واصلت نشاطها السياسي والمدني المعارض للاستبداد في سوريا.
العمل الطبي والأكاديمي
عادت الرحبي إلى سوريا عام ١٩٨٧ وعملت في مجال الطب الباطني من خلال عيادتها الخاصة، كما انضمّت لاحقاً إلى الكادر التدريسي في الجامعة الأوروبية السورية، وتولّت مسؤولية المستوصف الجامعي.
إلى جانب عملها الطبي، واصلت نشاطها الثقافي والبحثي، ونشرت مؤلفات في الطب والأدب والدراسات النسوية، وساهمت في عدد من الندوات والفعاليات الفكرية والثقافية داخل سوريا وخارجها.
النشاط المدني والسياسي
مع انطلاق «ربيع دمشق» عام ٢٠٠٠، انضمّت إلى لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا، وشاركت في عدد من المبادرات الهادفة إلى تعزيز المشاركة المدنية والإصلاح الديمقراطي، كما أسهمت في تأسيس حركة «الديمقراطيون الاجتماعيون» التي دعت إلى التغيير الديمقراطي السلمي، وشاركت في إعداد وثيقة الوفاق الوطني عام ٢٠٠٩.
عقب اندلاع الثورة السورية عام ٢٠١١، شاركت في الحراك المدني والسياسي الداعي إلى الانتقال الديمقراطي، وأسهمت في تأسيس مبادرات سياسية ومدنية متعددة، كما شاركت في العملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة من خلال غرفة المجتمع المدني، ثم في هيئة التفاوض السورية لقوى الثورة والمعارضة.
غادرت سوريا في نهاية عام ٢٠١٤ بعد سنوات من التضييق ومنع السفر، واستقرت في فرنسا منذ عام ٢٠١٦ حيث حصلت على الجنسية الفرنسية، وعادت إلى سوريا بعد سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤، وأسهمت في إعادة ترخيص وتفعيل منظمة «مساواة لدراسات وتمكين النساء» عام ٢٠٢٥.
النشاط النسوي
تُعدّ ميّة الرحبي من الشخصيات التي لعبت دوراً مهماً في تطوّر الحركة النسوية السورية خلال العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين. فمنذ مطلع الألفية شاركت في تأسيس عدد من المبادرات والمنظمات النسوية التي هدفت إلى ربط قضايا النساء بمفاهيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
ساهمت في تأسيس لجنة المرأة التابعة للجان إحياء المجتمع المدني، كما شاركت في تأسيس «المبادرة النسوية» و«معاً لدعم قضايا المرأة»، وعملت على تنظيم برامج تدريبية وورش عمل تناولت قضايا الجندر والمساواة والتمكين السياسي والاقتصادي للنساء والمرأة والأمن والسلام، إضافة إلى اهتمامها بقضايا العدالة الانتقالية والمفقودين وحقوق السكن والملكية من منظور جندري.
في عام ٢٠١٢ أسّست «منظمة مساواة لدراسات المرأة»، التي تُعنى بإنتاج المعرفة النسوية، وإجراء الدراسات والأبحاث، وتنفيذ برامج تدريبية ومشاريع تمكين للنساء السوريات داخل سوريا وخارجها. كما أسّست في العام نفسه «دار الرحبة للنشر والتوزيع» التي اهتمت بنشر وترجمة أعمال فكرية نسوية عالمية إلى اللغة العربية، ونشر كتابات متخصصة بشؤون المرأة لمفكرات ومفكرين عرب.
إسهامها في تاريخ النسوية السورية
تمثّل تجربة ميّة الرحبي إحدى المحطات المهمة في تطوّر الحركة النسوية السورية المعاصرة، فقد ارتبط نشاطها بمرحلة انتقالية شهدت انتقال الخطاب النسوي من التركيز على العمل الاجتماعي والخيري إلى تبنّي مقاربة حقوقية وسياسية، تربط قضايا النساء بالديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية.
عملت على نشر مفاهيم النوع الاجتماعي والمساواة الجندرية ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل الأوساط المدنية السورية، وساهمت في تدريب أجيال من الناشطات والباحثات على أدوات المناصرة والقيادة والعمل العام.
بعد عام ٢٠١١، شاركت في الجهود الرامية إلى تعزيز مشاركة النساء السوريات في الحياة السياسية وفي عمليات بناء السلام والتفاوض، وأسهمت في إدماج قضايا النساء ضمن النقاشات المتعلقة بمستقبل سوريا وإعادة بناء مؤسساتها.
كما ساعدت، من خلال أعمالها البحثية والتنظيمية، في بناء جسور بين الحركة النسوية السورية والحركات النسوية العربية والدولية، وأسهمت في إنتاج دراسات ومراجع باللغة العربية حول النسوية والنوع الاجتماعي والدساتير والقوانين الحساسة للنوع الاجتماعي.
العمل الدولي والخبرة في النوع الاجتماعي
شاركت الرحبي في العديد من المشاريع الإقليمية والدولية المتعلقة بحقوق المرأة والمساواة الجندرية، وأسهمت بين عامَي ٢٠١٨ و٢٠٢٤ في إعداد وتحرير مواد ودراسات حول الدساتير والقوانين الحساسة للنوع الاجتماعي بالتعاون مع المبادرة النسوية الأورومتوسطية.
كما عملت خبيرة ومستشارة في مشاريع مناهضة العنف ضد المرأة، وساهمت في إعداد «الأجندة المشتركة لمناهضة العنف ضد المرأة» باللغتين العربية والإنكليزية، وشاركت كخبيرة جندرية في مشاريع متخصصة تتعلق بالعدالة الانتقالية وقضايا المفقودين وحقوق السكن والأرض والملكية في السياق السوري بالتعاون مع منظمات دولية.
وشاركت منذ عام ٢٠٠٢ في مؤتمرات وندوات دولية عديدة تناولت قضايا النسوية والمساواة الجندرية وحقوق الإنسان والتحوّل الديمقراطي.
المؤلفات
في الطب
- الداء السكري (١٩٨٧)
في الأدب
- امرأة متحررة للعرض، مجموعة قصصية (١٩٩٥)
- فرات، رواية (١٩٩٨)
- شوق، مجموعة قصصية (٢٠٠٠)
في الكتابة التلفزيونية
- ثلاثية «أوراق خريفية»
- مسلسل «فسحة سماوية» (٢٠٠٥)
في الدراسات النسوية
- الإسلام والمرأة (٢٠١٤)
- النسوية: مفاهيم وقضايا (٢٠١٤)
- المرأة والدستور
- ما الذي نعدّل؟
إضافة إلى عشرات المقالات والأبحاث والدراسات المتخصصة في قضايا المرأة والنوع الاجتماعي.
الأهمية الفكرية
تمثّل ميّة الرحبي نموذجاً للترابط بين النشاط النسوي والعمل المدني والسياسي في سوريا، وقد تميّز مشروعها الفكري والعملي بالسعي إلى دمج قضايا النساء في مسارات الإصلاح الديمقراطي وبناء السلام، والإسهام في تطوير الخطاب النسوي السوري المعاصر من خلال البحث والتدريب والتنظيم والعمل العام.